عبد الله الأنصاري الهروي

9

منازل السائرين ( شرح التلمساني )

« سقراط » ومع ذلك فإنّ « سقراط » هذا لم يكن صوفيّا بالمعنى الدّقيق لكلمة : ( صوفيّ ) . وإذا انتقلنا إلى البيئة الإسلاميّة ، فإنّنا نجد « الحسن البصريّ » ، رضي اللّه عنه ، من أورع وأجمل الشخصيّات الأخلاقيّة العالميّة ، لقد كان مثلا صادقا للشعور الأخلاقيّ ، في طهره وصفائه . وكان ينشر الفضيلة بوعظه المؤثّر ، ومنطقه القويّ ، وسلوكه المثاليّ ، ومع ذلك فلم يكن « الحسن البصريّ » صوفيّا بالمعنى الدقيق لكلمة ( صوفيّ ) . على أنّه من الطبيعيّ : أن تكون الأخلاق الكريمة أساسا من أسس التصوّف ، وأن تكون الأخلاق في أسمى صورة من صورها ، ثمرة للتصوّف . ومن الطبيعيّ أيضا ، أن تكون الأخلاق الكريمة شعار الصوفيّ ، فيما بين الأساس والثمرة ، فهي إذن ملازمة للتصوّف وللصوفيّ ، ملازمة تامّة ، لا تتخلّى عنه ، ولا يتخلّى عنها ، ولكن ليس معنى ذلك أنّها هي التصوّف . وهناك اتّجاه أكثر شيوعا من الاتّجاه السابق : هو تعريف التصوّف ب « الزّهد » . وحينما يسمع كثير من النّاس كلمة : « التصوّف » ، يفهم منها معنى « الزّهد » ولا يفهم من كلمة « صوفيّ » إلّا الزّاهد في الدّنيا . وما من شكّ في أنّ الصوفيّ : لا يتعلّق قلبه بالدّنيا ، ولو كان عنده الآلاف والملايين ، بيد أنّ الزّهد في الدّنيا شيء ، والتصوّف شيء آخر ، ولا يلزم عن كون الصوفيّ زاهدا ، أن يكون التصوّف : هو « الزّهد » . ويخلط كثير من النّاس بين الصوفيّ والعابد ، فإذا ما رأوا أو سمعوا عن شخص كثير العبادة ، قالوا عنه إنّه : « صوفيّ » .